الشيخ الطبرسي
362
تفسير مجمع البيان
ثم حكى سبحانه دعاء سليمان حين أناب إلى الله تعالى بقوله : ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) يسأل عن هذا فيقال : إن هذا القول من سليمان يقتضي الضن والمنافسة ، لأنه لم يرض بأن يسأل الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه . وأجيب عنه بأجوبة أحدها : إن الأنبياء لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته ، وجائز أن يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره ، كان أصلح له في الدين ، وأعلمه أنه لا صلح لغيره في ذلك . ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول : اللهم اجعلني أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أن ذلك أصلح لي ، لكان ذلك منه حسنا جائزا ، ولا ينسب في ذلك إلى شح وضن ، واختاره الجبائي . وثانيها : إنه يجوز أن يكون التمس من الله تعالى آية لنبوته ، يبين بها من غيره ، وأراد لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث إليه ، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين ، كما يقال : أنا لا أطيع أحدا بعدك أي : لا أطيع أحدا سواك . وثالثها : ما قاله المرتضى ، قدس الله روحه : إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة ، وثواب الجنة ، ويكون معنى قوله ( لا ينبغي لاحد من بعدي ) : لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصلح أن يعمل ما يستحق به ذلك ، لانقطاع التكليف . ورابعها : إنه التمس معجزة تختص به ، كما أن موسى يختص بالعصا واليد البيضاء ، واختص صالح بالناقة ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعراج والقرآن ، ويدل عليه ما روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى صلاة فقال : " إن الشيطان عرض لي ليفسد علي الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فدفعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين ، فذكرت قول سليمان ( رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي ) فرده الله خاسئا " . أورده البخاري ومسلم في الصحيحين . ثم بين سبحانه أنه أجاب دعاه بقوله : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ) أي : لينه سهلة ، عن ابن زيد . وقيل : طيبة سريعة ، عن قتادة . وقيل : مطيعة تجري إلى حيث يشاء ، عن ابن عباس . ( حيث أصاب ) أي : حيث أراد سليمان من النواحي ، عن أكثر المفسرين ، وحقيقته حيث قصد والمعنى أنه ينطاع له كيف أراد . قال الحسن : كان يغدو من إيليا ، ويقيل بقزوين ويبيت بكابل .